الوعي الزائد…….بين الإدراك و الإنهاك
الوعي…. بوصلة تقودك بين حدود الادراك و تتجاوز الرحلة لما وراءها، يكشف ما خفي و يضيء ما اردناه مظلما لتفادي رؤيته. و وجود الوعي اساسا يقتضي وجود لحظات تستدعي الاستعانة به و اكثر، لحظات تكسر حواجز معينة لديك؛ فتتجاوز بهذا حدود الوعي الطبيعي اين ستلاحظ انطلاقا من تلك اللحظة اكثر مما تعيش و ستفهم اكثر مما تريد و تشعر اكثر مما يجب….. فيتحول الوعي من مجرد فهم لمسايرة الحياة الى ثقل داخلي فتُغير طريقة عيشك دون قصد فيكون كل تفصيل قابلا للتحليل و كل تصرف له احتمالات كثيرة فتعيش متخبطا بين هذا و ذاك بقية حياتك.
بالضبط هذا ما يسمى بالوعي الزائد! وعيٌ يتكون مع الزمن و مع الملاحظات الصغيرة التي لم تقصد التقاطها، هذا النوع بالذات ليس ذكاءًا اضافيا بقدر ماهو حس مضاعف للحياة يجعل كل مشهدٍ اكبر مما هو عليه مثقلا بهدا صدرك بينما ما تراه و ما يتجاهله الناس فيتسع داخلك عالمٌ لا يسمع ضجيجه احد سواك…..
الوعي الزائد ليس حادثة بسيطة بل هو تراكم سنواتٍ من الملاحظة، الخوف، الخبرة و الحساسية العالية و هو محاولة صريحة مستمرة لقراءة العالم بتفاصيله من النبرة وصولا للحركة حتى الصمت! فالوعي بذاته نور ولكن المعروف ان النور اذا اشتد يصبح عتمة،و هذا هو حاله مع الانسان اذ يصبح العالم اكثر ضجيجا مما هو ظاهر و تبدأ تلك الهمسات الخفيفة كصدى كبيرٍ في اذنك . نعم سيعلمك الكثير و يجعلك حذرا في كل خطوة تخطوها و يجعلك اكثر عمقا لكن مقابله ثمين سيأخذ منك بساطتك و الطمأنينة و القدرة على المرور أمام الأشياء دون التدقيق في كل جزء منها
هذا المقال ليس للحديث عن الوعي بطريقة اكاديمية علمية مدروسة او كقيمة جامدة بل سيحاكي ذلك الجانب الذي يجعل الحياة ثقيلة قليلا بالرغم من بساطتها و جمالها احيانا ، عن الوعي الذي يعمق الفهم لكنه يعمق الوجع بنفس الطريقة! فإذا كان الوعي نعمة فنحن بصدد التعرف على تلك المساحة الرمادية بين النعمة و النقمة التي يتقلب فيها الانسان محاولا فهم كل شيء… عدا نفسه.
الوعي….. من البداية
لا يتكون الوعي الزائد من حدثٍ واحد، فلا يظهر فجأة ولا ينمو في ليلة. بل هو نتاج تراكمات صامتة داخل الإنسان، تتجمع بلا إعلان. جذوره تمتد في طفولةٍ تعلمنا فيها الانتباه قبل الوقت المناسب، وفهمنا أن ليس كل الكلام يقال، وأن بعض المشاعر، وحتى تعابير الوجه، لابد من تفسيرها من حركة اليد. هناك، بين الخوف الأول ومحاولات التكيف، تتشكل القطعة الأولى للإدراك المبالغ،وبدءًا من تلك اللحظات البريئة وصولًا لما نحن عليه اليوم، اجتزنا عديد التجارب التي وقعت هي الأخرى في صفحات حياتنا؛ تركت فينا أثرًا أبعد مما تبدو عليه. كانت حواسنا تزداد حدة دون وعي منا، ربما بخوف من تكرار خطأ ما، أو برغبة في تجنب خيبة عرفناها مبكرًا، أو الهروب من خذلان، أو لحظات ضعف تعايشنا معها ولم نستطع تجاوزها. كل هاته المواقف جعلت العالم يبدو أقل أمانًا مما ظننا يومًا.
هذه الظنون تجعل منك شخصًا مبرمجًا على فهم كل ما يدور حولك، حتى وإن لم يستدعِ الأمر ذلك. فتبدو كلمة عابرة عليك على أنها حقيقة مطلقة، تستقر داخلك وتوسوس لك مرارًا وتكرارًا. وأثناء محاولتك لحماية نفسك، أو “أن تكون أكثر حذرًا”، ستعيش أكثر تعقيدًا، حين يغدو الانتباه الخفيف عادة، ثم يقظة مستمرة، ثم وعيًا أكبر مما تتحمل. وبدل أن تكون إنسانًا طبيعيًا، ستصبح بوعي مضاعف، حين تتبادر الأسئلة لذهنك:
“لماذا قام فلان بهذا؟”
“ماذا يقصد؟”
“لماذا تكلمت أنا هكذا؟”
تجد نفسك في دوامة من التفكير المستمر، قبل الأحداث، خلالها، وبعدها، وتترجم عبارات لا تستدعي ذلك أصلاً!
فنكبر ويكبر العالم الذي بداخلنا، ونكتشف من خلاله أن الحياة أقل بساطة. نتعلم أن الناس لا يكشفون نواياهم دائمًا، وأن التجارب تترك أثرًا طويلًا رغم مرورها، والوعود لا تتحقق، والأحلام مستحيلة أحيانًا. نلاحظ تناقضًا بين ما يظهره الآخرون وما يفضحه سلوكهم، و ندرك ان ما فات لن يعود. فنعيد قراءة ما بين السطور لنكتشف ما فاتنا. ونتحقق أن الملاحظة والتدقيق شرط أساسي لحماية أنفسنا من الصدمات والخذلان، فنأخذ إجاباتنا بأنفسنا لأن العالم امتنع عن إعطائها جاهزة دون ثمن!
ومن هنا تبدأ قصة طويلة، تكون أنت بطلها وعدوك في ذات الاوان .حين تدرك أن الوعي ليس هبة ولا فطرة، بل حس قديم تغلغلت جذوره فيك وما زالت تتحكم بطريقة تفكيرك حتى اليوم. دليل ذلك أنك ترى العالم بأكثر من عين، وتدرس زواياه بأكثر من احتمال. ولطالما تحاول فهم نفسك وطريقة عيشك، لكنك تعود دوما لنقطة البداية، سواء أردت ذلك أم لم ترد.
حين تصبح الحياة اقل دهشة!
لا يعيش صاحب لعنة الوعي حياة مختلفة من الخارج بل الاختلاف يكمن في داخله… اين تجد كل تصرفاته محسوبة فيتفاعل و يتكلم و يضحك لكن كل هذا يحدث بإضافة طبقة اخرى من الادراك التي ستثقل لحظاته؛و تقلل دهشته. فالحياة من وجهة نظره ليس صافية بل تمر عبر تصفية شديدة الدقة فيُفلتر كل شيء قبل ان يلمسه!
لا ينجرف وراء رغباته او ينخدع بسهولة و هذا ليس فخرا! او ميزة تميزه! بل من وجهة نظري هي فقدان لشيء اثمن: البساطة. فلا ترى الأشياء كما هي بل لابد من جرعة الادراك التي تقتل المتعة فلا يمكن إبصار الشيء بماهيته البسيطة الحقيقية بل دائما يُرى كما كان يجب ان يكون او كما كان في الماضي ليضع مقارنة بين الحاضر و ما فات ليحاسب نفسه كيف فاتته هاته التفاصيل ففي نظره كل الأشياء مؤذية اذا غيرنا زاوية الرؤية. لذلك تموت متعة المفاجأة و التلقائية و متعة ان يسلم نفسه للحظة بدون قيود او حدود
تراوده الاحاسيس الباهتة التي استُنزفت منها الوانها فيفرح …. لكن قليلا او يحزن…. ولكن قليلا! لأن هذا متوقع دائما متـوقـع. حتى تلك المحطات السعيدة يعبر عليها دون التوقف و التأمل فيها لأنه مشغول بتحليل ما وراء الستار فيبني فينا هذا الوعي طبقة زجاجية حول قلوبنا نرى كل شيء من خلاله لكن لم نعد نمسك به! سنرى البشر المحيطين بنا بطريقة مختلفة جدا فلا نكتفي بما نسمعه او بما نراه لأنه لا بد من وجود جانب اخر مخفي وجب ايجاده كي لا نُخدع فنتوقع كل شيء لأننا بهذا الشكل سنحافظ على نفوسنا مِن مَن هم حولنا.و هنا تكمن المشكلة ستكون عادة لديك ان تعرف ما لاتريد ان تعرفه فتفسد صور من حولك مع نفسك حتى و ان كانوا في غاية الطبيعية و الطيبة معك لأننا و كما ذكرنا سابقا لا بد من وجود شيء مريب فتلتقط ماكان يفترض ان يمر مرورا عابرا.
و مع سير الايام ستتراكم هذه الانتباهات الزائدة دخلنا حتى نفقد اثرها يصبح اي موقف يهز جبلا مجرد حدثٍ منطقي بالنسبة لنا ، لأن الانسان ف هاته الحالة فكر في احتماله منذ زمن و توقع السيناريو المطلوب فيمشي مع التيار فقط ليصل للنهاية التي رسمها من البداية، فتغدو الصدمات اقل و لكن الراحة اقل كذلك! فلا هو استلذ بالحزن كالاخرين و لا هو استلذ بالراحة كآخرين!
قد لا يبحث في الحياة عن المعاني الكبيرة او عن ما يبحث عنه الناس عادةً بل هدفه الاسمى هو تجنب الالم و لهذا يعيش بنصف شعور و نصف ثقة و نصف اندماج؛ تجده محاط بحشودٍ لكن دوما يحس بالوحدة! يحقق نجاحات لكن في نظره هذا هو المطلوب! كأن الوعي الزائد يسحبه خطوة للخلف دائما يجنبه السقوط لكن يُحرم من الركض
هكذا تكون يومياته، يسلط كل انتباهه على الحياة و يشعر بنصف قلبه يرى كل شيء لكن نادرا ما يشعر بشيء و هذا احد تلك الاثمان الباهضة التي ندفعها كفاتورة لعيشنا في هاته الحياة اننا لا نتألم بشدة لكن لا نفرح بشدة ايضا معلقين في المنتصف بين هذا و ذاك كأن الزمن متوقف لكن العمر يمضي….
بين الفهم و الراحة !
في نقطة ما، يولد صراعٌ حقيقي ليس مع الآخرين، وإنما مع نفسك. تحاول فهم كل شيء وقراءة ما بين الكلمات، وفي المقابل تتمنى الراحة مثل المحيطين بك. هكذا يصبح الوعي الزائد أشبه بخيطٍ يشدك من جهتين متعاكستين: جهة تريد الدقة في كل خطوة، وجهة تريد النجاة فقط من كل هذا. فتبقى عالقًا في هذه المنطقة الرمادية، حيث تريد أن تكون خفيفًا، لكنك مثقلٌ بالتفاصيل الصغيرة العالقة بك.
هاته القدرة التي يمدحها الناس من بعيد ما هي إلا حِملٌ ثقيل، لأن الفهم لا يعني دائمًا الوضوح. أحيانًا، الفهم المبالغ فيه يوضح تفاصيل لا يجب أن تُرى، لأنها أحيانًا لا تخصك أصلًا، فتكون شاهدًا على أحداثٍ كاملة كان من المفترض أن تمر دون تدقيق. حينها تتمنى لو لم تعرف بهذا القدر، فتحاول مجددًا غض بصرك، لتعود إليك تلك الطمأنينة والسذاجة إن صح القول؛ لكنك دوما ما تجد نفسك باحثًا عن إجابات لأسئلة متكررة: لماذا قال؟ ولماذا قام بهذا؟
والمؤلم في خضم كل هذا أن سبب تعبك ليس الواقع بحد ذاته، بل تحليلك له. فتجد نفسك محاطًا بأناس كثر، لكن نصفك فقط حاضر معهم. النصف الآخر منشغل بتحليل كل فعل بحذر، كآلية دفاع فطنة دوما. هذا الصراع لا ينتهي، لأنه أصبح جزءًا من طريقة حياتك وعيشك وردات فعلك تجاه الآخرين. فلا تريد أن تكون ثقيلاً على روحك، لكنك مكتوف الأيدي، لا تملك زرًا تطفئ به كل هذا. وهذا ليس ضعفًا، بل ضريبة كونك ترى ما هو مخفي….
ثقل الوعي، قوة الروح
الوعي الزائد مجدّدًا! لكن هاته المرة سنذكر محاسنه. لأنه، رغم ثقله أحيانًا، فهمه يمنحك هدية نادرة: القدرة على رؤية الحياة من زاوية مخالفة، زاوية تنفرد فيها وحدك؛ ترى التفاصيل بمنحى يغفل عنه الكثيرون، وتفهم الناس بطريقة أعمق. هذا الوعي بالذات يجعل قراراتك أكثر حكمة، حتى وإن أخذت وقتًا في التفكير والتحليل، فلا بد من وصولك لنتيجة مُرضية. فتدرك فرص النمو قبل أن يلاحظها الآخرون وتتجنب الأخطاء الكبيرة لأنك ذو حساسية تجاه مواقف معينة. فتتحول تلك الطبقة الثقيلة إلى قوة داخلية، ومكسب يمكنك من العيش مع العالم بحذر.
هذا الإدراك يجعلك ترسم خطوطًا رفيعة بين حدودك وحدود من حولك، وتمون علاقاتك أكثر جودة، حتى وإن كانت أقل عددًا، لأنك ستكون على دراية أن الصدق والوضوح أهم من الكم. وبالتالي، هذا الفهم العميق للحياة يصنع منك إنسانًا ناضجًا دائم البحث عن معنى وجودك؛ فتكون كل تجربة درسًا قيّمًا، وكل لحظة فرصة جديدة لتعلم شيء عن نفسك. فتعيش بوعي كامل رغم الصعوبات، فتكون الحياة بمثابة رحلة اكتشاف داخلي لنفسك ولمحيطك؛ فتلمس مشاعر الآخرين وتشعر بها كما لو كانت جزءًا منك.
هنا تكمن قوة الوعي أثناء كل المطبات والصعوبات: قوة عظيمة، هي أن تعيش مع العالم دون أن تضيع روحك فيه، أن تحافظ على حدودك وأنت متصل مع الآخرين بوعي كامل. صحيح، من الممكن أن تصعب عليك بعض اللحظات حيث يكون طريقك مليئًا بالتساؤلات والتحديات، لكن بوعيك ستثبت حضورك في حياتك الشخصية، لأنك أكثر قدرة على تقدير اللحظة دون استسلام، وأكثر صدقًا مع ذاتك ومع الآخرين. لذلك، يجب أن نحمل ثقل الوعي ليس كعقوبة، بل كقوة!
قبل الختام و كعنصرٍ اخير من الضروري التطرق اليه و هو كيفية التعايش في هاته المتاهة؛ بين الفهم و الراحة و الحساسية و التعب ؛ سنجد ان الوعي الزائد ليس عقابًا، بل حساسية عظيمة للحياة. لذلك، ليس المطلوب محاربته، بل تعلم العيش معه! يمكنك منح نفسك فسحة من “النسيان المؤقت” حين تحتاج للراحة، قبول أن لا كل شيء يحتاج تحليلًا، وترك بعض اللحظات تمر بلا قيود دون تدقيق او تحليل فقط دعها تمر.
تعلم أن ترسم حدودك بوعي، تحفظ طاقتك، وتختار بدقة ما تستثمر فيه تفكيرك. امنح قلبك فرصة للراحة دون فقدان الانتباه الكامل، وادرك أن المشاعر البسيطة، الفرح الصغير، اللحظة العابرة، لا تحتاج دائمًا إلى تفسير.
في هذا التوازن تكمن القدرة على الاستمرار: أن تبقى واعيًا، دون أن يتحول الوعي إلى ثقل دائم. هكذا، تصبح الحياة أقل صراعًا وأكثر سلامًا مع نفسك ومع العالم من حولك فلا ترهق ذاتك حتى يتحول هذا الوعي الى لعنة ولا ترهق غيرك حتى تكون كمصدرٍ للشؤم او السلبية فلا يجب الافراط ف الوعي ولا يجب التفريط به كذلك ان تعيش حياتك كأنها دون قواعد ، القليل من هذا وذاك يجعلك إنسانا متزنا…
اخر كلمات هذا المقال الطويل لن تكون اكاديمية او بأسلوب رسمي . ما اود قوله ان كل ما ذُكر يعبر عني و عنك كلماتي ماهي الا واسطة لمشاعرنا ربما لم تفي بالغرض لكن ستصف شيئا فيك لابد من ذلك.
الانسان بطبعه حريص دوما في حياته على العيش بأفضل طريقة أين يتفادى الالام و الحزن لكن لا يجب ان نبالغ في حمايتنا لأنفسنا؛ فالغاية من عيشنا هي التجربة ان نسقط مرة و نقف مرة هذا ما يجعلنا ما نحن عليه اليوم لذلك و في النهاية، الوعي هو رحلتنا، وعليه نصنع من ثقل الحياة قوة ومعنى.
وإذا شعرت يوماً بثقل الوعي، تذكّر أنك لست وحدك… كلنا نحمل نفس الثقل بطريقتنا





أحببت المقال ..،وأود أن أحكي شيئا ان كان لأحدكم تجربة مع شخص ما ..سأقدر النصيحة منه
أمي تعيش في المشكلة مشابهة تحلل أي حركة تراها أمامها الى شيئ سلبي وكأن الكون كله ضدها..،و عند نكران تفكيرها و معاكسة آرائها يعود كلامها و تفكيرها علي أنا ولا فرق بيني و بينهم ، بدأت تكبر و التفكير المفرط هذا أكثر مايتعبها لكن مصارحتها بأن ما تفعله خاطئ يزيد من شدة قلقها و تفكيرها
مقال جميل
أنا أشوف الوعي حمل ثقيل
والي مشاكله قليل بس يفكر كثير اتعس من اللي ما يفكر وعنده مشاكل